أشباحُ الذّكريات التّي تَغتالني يا أمّاه، تَبني فيّ رُكامًا من خوفٍ وضعف. أعلمُ أنّ قصفَ داري لم يكن بشدة قَصف غزة، إذ أني لم أخسر سوى مزيدًا من الأشياء الجميلة التي تسّاقط كحبات المطر، أيبدو هذا سيئًا ؟.
أنا في الحَقيقة أشعر بالآمان في كلِّ الأمور التّي تكون فيها أمي بجانبي. أشعر وكأنها حمامة سلام، تبدد كل قلق إلى عدم. تنفخُ في وجهِ البؤس لينثر على قَلبي طمأنينة ودفء، أشعرُ بصلاتها ودعائها الطويل لأجلِ فؤادي.
أكوي تَعرجات المسارات، لا أحب أن أرى الحَياة مُشتتة. أقرأ السّلام عنّد كل خطوة؛ علّ ربيعًا جميلا سَيزهر على ذَلك الطَريق.
كل شيءٍ هُنا يدعوني للكتابةِ عنّه. وفي المَقابل، الذكريات تُصارع أصابعي لأخطّ موقفًا عنها.
إنني حتّى لا أذكر كيف دَخلت هذه التدوينة وبدأت أكتب! أذكر أنني كنتُ في عالمٍ آخر مع الفيزياء!
إنني أستّرجع موقف اختبار ( مساء الثلاثاء) حينما غرسَ اليّأسَ شره فيّ بل استوطنَ حُجرات قلبي - في لحظة - وانتزع منّي كلّ القوة التّي أستندُ عليّها.
أذكرُ رجفة قدماي الغريبة، كأنّ الخوف أنَزل منزله عليّ. أذكر الدموع التّي تلألأت بهما عينايّ، ومحاولتي للهروب بعيدًا، كيّ لا أشد نظر أحد.
أرسلتُ إليّها: جرعة قوة قبل اختبار السادسة؟
وكان ردّها بردًا وسلاما على قلبي.
أذكرُ تقوقعي على زَاوية صغيرة لا تَسع صوتي حتّى للنداء. أذكر حديثي مع الله حينّها والمواساة والطمأنينة التي شَعرتُ بولوجها لِثغرات فؤادي.
أذكر انزوائي بعدها في درج كليةِ التربية والمواساة الثَانية منّها، يا الله صوت الأصحاب وكمية لطف الحديث والانتشاء الذي يَبثونه دون أن يدركوا. سُبحانه من يُلهم عبدهُ قوة الكلمة.
أدركت حينها أن سَعيّ الإنسان لا يَتأتّى إلا ووراءه هدفٌ عميق وطموحٌ كبير، قلقٌ يُحفزِهُ للقتّال لا للِيّأسِ والانكسار. لابّد للإنِسان أن يفهم ذاتِه أن يُدرك نقاط ضَعفه ويحاول تَوظيفيها بذكاءٍ منّه لِصالحه. إنّ الله الذّي شرّف آدم لِيكون خَليفتهِ في الأرض لم يَأتي عَن عبث؛ فَالقوة والحِكمة التّي أودعها الله في بني البَشر تَجعله قادرٌ على اكتشافِ عوالم مجهولة، فقط عليّه اغتيال غمّار روحه والتَنقيب عَن معالم القوة فيّه.
لذلك إني أحاول فتح نوافذ النّور كلّما قلّ وميض الحياة، إنني أعلم كيف ستكون قيمة الجمال واللّذة في النهاية بعدما كان الطريق طويلا، مُرًا وشاقًا.
مهما اشتدّت قسوة الليل، يَبزغُ ميلادٌ جديد كل صباح يُعلنُ عن نضالٍ آخر وسعيٍ طويل.
الذاكرة التّي لا تقتلك، الذَاكرة التّي تُلهم القوة أن تستوطنك وتُميتُ خوفك، الذاكرة التي تُنسيك ألم المواقف وتُذكرك بالدروس، هي الذاكرة ذاتها التي جعلتني أخط هذه الحروف.
شهيقًا جديدا للحياة وزفيرًا لما مضى وبسم الله الرحمن الرحيم.
10 جمادي الثاني 1438
10 مارس 2017